الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي

76

حاشية المكاسب

يقوم دليل على الخلاف وهذا راجع إلى ما ذكرناه سابقا من أنّ البيع وإن كان حقيقة في الصّحيح الشّرعي إلَّا أنّ ما أخذ في متعلَّق الخطابات لا يمكن حمله على ذلك فلا بدّ من التصرّف فيه بالحمل على البيع العرفيّ أو البيع الإنشائي وأمّا الأوّل فهو جزاف قوله قدس سره اعلم أنّ المعاطاة على ما فسّره جماعة لفظ المعاطاة لم يرد في شيء من النّصوص ليهتمّ في تفسيره مع أنّ معناه لغة هو المفاعلة والعطاء من الجانبين بلا دخل قصد المعاوضة أو الملكيّة أو نحو ذلك فيه وأمّا الفقهاء فالظَّاهر أنّهم لا يعنون بالمعاطاة ما اشتمل على العطاء فضلا عن أن يكون ذلك من الجانبين وإنّما يريدون بالمعاطاة كل معاملة لم تكن بالصّيغة المشتملة على شرائط الإيجاب والقبول حصلت تلك المعاملة بالتّعاطي للعوضين أو حصلت بإنشاء المعاملة بالألفاظ الفاقدة للشّرائط ثم الظاهر أنّ موضوع البحث في المقام هي المعاطاة الَّتي لم تتخلَّف عن البيع إلَّا في الصّيغة فالمتخلَّفة عنه في جهات أخر الَّتي هي من عمدتها القصد للبيع خارج عن محلّ الكلام وهذه المعاطاة لا تنقسم إلى أقسام والَّتي تنقسم إلى أقسام هي المعاطاة بمعنى أوسع من محلّ البحث وهذه أيضا لا تنقسم إلى قسمين بل تنقسم إلى أقسام شتّى إذ كلّ عنوان من عناوين المعاملات فهي قابلة لأن تنشأ بالمعاطاة كما هي قابلة لأن تنشأ باللَّفظ نعم لا يصحّ القسم المعاطاتي في بعض المعاملات كالنّكاح لكن ذلك لا يضرّ بصحّة التّقسيم مع أنّ ما ذكره المصنّف من القسمين وهو المعاطاة على وجه التّمليك والمعاطاة على وجه الإباحة له قسم ثالث وهو ما اختلف فيه العوضان في جهة التّمليك والإباحة بأن كانت الإباحة بإزاء التّمليك ثمّ كلّ من الأقسام الثلاثة قد تلحظ فيه المقابلة بين المالين وقد تلحظ بين الفعلين وقد تلحظ بين القصدين وقد يختلف فهذه ستّة أقسام وبضربها في الأقسام الثلاثة الأصليّة ترتقي الأقسام إلى ثمانية عشر وقد عرفت أنّ محلّ الكلام المعاطاة البيعيّ وهي ما لوحظ فيه المقابلة بين المالين في جهة الملكيّة قوله قدس سره إحداهما أن يقع النّقل يعني النقل الحسيّ الَّذي هو عبارة أخرى عن المعاطاة لا النّقل التّمليكي فإنّه خلاف المفروض ثم إنّ معقوليّة هذا القسم يكون بأحد وجهين الأوّل أن يقصد كلّ منهما بإعطائه الإعراض ورفع اليد عن الملك بالفكّ والتحرير من غير ربطه بصاحبه وتمليكه إيّاه وإنّما صاحبه يتملَّكه بالحيازة فيكون إعراضا بإزاء إعراض الثاني أن يقصد كلّ منهما تسليط صاحبه على المال بعنوان التوكيل في أن يأخذه لنفسه إمّا تمليكا أو على وجه الإباحة فتكون توكيلا معاطاتيّا بإزاء توكيل وفي هذا قد ينتهي الأمر في الخارج إلى العمل بالوكالة من الجانبين أو من أحدهما وقد لا ينتهي فإن قام أحدهما ولم يقم الآخر لم يضرّ ذلك بصحّة عمل القائم إذا كان العوض وكالة القائم لا عمله بما وكَّل فيه وممّا ذكرنا يظهر بطلان إيراد المصنّف على هذا الوجه بعدم المعقوليّة قوله قدس سره ولا بدّ أولا من ملاحظة أنّ النزاع في المعاطاة حفظ حيثيّة البحث يقتضي أن يكون البحث في معاطاة جمعت سائر جهات البيع وحوت كافّة حيثيّاته غير أنّها فقدت للإنشاء اللَّفظي وأمّا المعاطاة الَّتي فقدت سائر جهات البيع بل فقدت ما هو روح البيع وبه قوامه وتحصّل حقيقته أعني القصد إلى التّمليك فليس البحث فيها بحثا عن عنوان المعاطاة بما هو عنوان المعاطاة كما لا يخفى والَّذي يظهر من بعض العبائر أنّ البحث في المعاطاة صغرويّ والنزاع في دلالة الفعل على قصد البيع وإنشائه ليكون بيعا مفيدا للنّقل وعدم دلالته فيكون الإنشاء به كالإنشاء بالألفاظ المجملة انظر إلى عبارتي الشّرائع والتّذكرة الآتيتين تجدهما شاهدين على ما ذكرناه وانظر إلى عبارة الكركي وفيها وإنّما الأفعال لمّا لم تكن دلالتها على المراد بالصّراحة كالقول لأنّها تدلّ بالقرائن منعوا من لزوم العقد بها فيجوز التّراد ما دام ممكنا انتهى وإن كان في هذا التفريع ما فيه فإنّ عدم الصّراحة لا يقتضي الملك المتزلزل بل إمّا أن يبطل إن اعتبرت الصّراحة أو يصحّ على وجه اللَّزوم إن لم تعتبر وقامت القرينة على أنّ المراد هو الملك قوله قدس سره فإنّ تعليله عدم الملك تعليله ليس لعدم الملك بل لعدم كونه بيعا وعقدا أو لخصوص عدم كونه عقدا وعلى كلّ حال لا يدلّ على تحقّق قصد الملك لأنّ التعليل لكلّ من الأمرين لا بدّ أن يكون بذلك إلَّا أن يكون قصد التّمليك دخيلا في حصول عنوان العقد وعليه فمع عدم قصد التّمليك ينبغي أن يعلَّل بعدم العقد لا بعدم الإيجاب والقبول قوله قدس سره ودلالته على قصد المتعاطيين للملك لا يخفى من وجوه منها تفريعه عدم كفاية التعاطي في الجليل والحقير على اعتبار الصيغة فإنّ المستفاد من ذلك أنّ ما عدا الصّيغة ممّا يعتبر في البيع ومن عمدته قصد التّمليك حاصل نعم ليس في هذه العبارة الحكم بالإباحة ومنها تمسّكه بأصالة بقاء ملك المالك الأوّل فلو لا أنّ قصد التّمليك متحقّق لم يكن بقاء ملك المالك مشكوكا ليحتاج إلى التّمسك بالاستصحاب وأمّا قوله وقصور الأفعال عن الدلالة فلا يدلّ على عدم إحراز القصد لاحتمال أن يكون المراد عدم وجود لفظ مطابق للمقصود يحصل به إنشاء ما قصد قوله قدس سره ودلالتها على قصد المتعاطيين لا دلالة فيها على إحراز هذا القصد وإنّما العبارة مصبها ما إذا كان المحرز مجرّد المعاطاة فيكون حاصلها هو المنع عن الاتّكال على مجرّد المعاطاة في الحكم بتحقّق قصد البيع كما صنعه العامّة بل لعلّ أكثر من منع عن انعقاد البيع بالمعاطاة ناظر إلى هذه الصورة قوله قدس سره وإنّما الأفعال لمّا لم يكن قد أشرنا إلى ضعف هذا التعليل وعدم اقتضائه الملك المتزلزل بل مقتضاه أمّا البطلان وذلك حيث لم تكن قرينة على تحقّق قصد التّمليك أو الصّحة على وجه اللَّزوم حيث كانت القرينة قوله قدس سره بل إنّما حصلت كما اعترف به في المسالك ينبغي أن يكون مراده من التّسليط دوام التّسليط بعدم استرجاع العين وإلَّا فابتداء التّسليط واقع بعنوان التّمليك وعنوان الإباحة لا يجتمع مع عنوان التّمليك إذ المراد من الإباحة الإباحة المالكيّة وذلك لا يكون إلَّا من المالك وقصد التّمليك مزيل لهذا العنوان ثم إنّ ما ذكره من الاستلزام إن سلَّم فإنّما يكون في صورة التّسليط على السّلعة عالما بفساد البيع كما في دفع ثمن العين المغصوبة إلى البائع مع العلم بأنّه غاصب أمّا إذا كان التّسليط مع الجهل بفساد البيع فليس لازمه الإذن في التصرّف وأيضا لو صحّ ما ذكره كانت الإباحة إباحة مالكيّة واندفع إيراد المحقّق المتقدّم ولم يبق محلّ لقوله ولا يرد عليهم عدا ما ذكره المحقّق المتقدّم مع أنّه لا يندفع إلَّا هذا الإيراد لا أنّه لا يبقى إلَّا هو فإنّ إشكال عدم حصول الملك بالتّلف لو قيل بالإباحة باق على حاله مضافا إلى أنّ إيراد المحقّق ليس إيرادا هيّنا وكفى إيراده في رفع اليد عن ظاهر كلماتهم قوله قدس سره ولم يشعر كلامهم بالاستناد إلى نصّ صريح كلامهم الاستناد إلى الإجماع فراجع عبارتي الخلاف والغنية قوله قدس سره واقتضى الدليل صحّة الكلام في وجود مثل هذا الدليل فإنّ الإجماع غير متحقّق فما قام عليه الدّليل وهو الملك لا يقولون به وما يقولون به وهي الإباحة لم يقم عليه دليل والمفروض أنّ المالك لم يبح حتى تكون الإباحة إباحة ما قوله قدس سره ثم إنّ المعروف بين المتأخرين أنّ من قال الظَّاهر أنّ قولهم بالإباحة لم ينشأ من نفيهم لكون المعاطاة بيعا عرفا وإنّما نشأ من حملهم البيع في لسان الأدلَّة على البيع الصّحيح الشّرعيّ ولمّا كان حصول ذلك مشكوكا في المعاطاة حكموا بفساد المعاطاة انظر إلى ما تقدّم من عبارة الخلاف وهي قوله دليلنا أنّ العقد حكم شرعيّ ولا دلالة في الشرع على وجوده هنا فيجب أن لا يثبت لكنّك عرفت أنّ البيع وإن فرضنا أنه اسم للبيع الصّحيح الشّرعي لكن يجب صرفه عن هذا المعنى في خطابات الشّارع لأنّ هذه الخطابات مسوقة لبيان الصّحة فكيف يؤخذ في موضوعها الصّحة قوله قدس سره من شرائط صحّة انعقاد البيع بالصّيغة التّقييد بالصّيغة في العبارة مخلّ بما هو المقصود من الاستشهاد بها بل يوجب دلالتها على خلاف المقصود قوله قدس سره بشرط كون الدال على التراضي أو المعاملة لفظا إذا كان المراد من الدالّ على التراضي ما يدلّ على المساومة ومقدّمات البيع صحّ عدّ هذا القول تفصيلا في المسألة